http://www.ataaalkhayer.com/images/f1.jpg
http://www.ataaalkhayer.com/images/f2.jpg
http://www.ataaalkhayer.com/images/t1.jpg
http://www.ataaalkhayer.com/images/g1.jpg
بحث في موقع الدرر السنية
 

بحث عن:

ابحث بالموقع
تاريخ اليوم:

الأستاذ هشام عباس محمود الأستاذ نبيل جلهوم بطاقات عطاء الخير
أحاديث اليوم دروس اليوم بطاقات لفلي سمايل
خطب الحرمين الشريفين الدكتور عبدالله بن مراد العطرجى المهندس عبدالدائم الكحيل


مجموعات Google
اشترك فى مجموعة بيت عطاء الخير
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

تسجيل دخول اداري فقط

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-03-2018, 11:57 AM
حور العين حور العين غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: May 2015
المشاركات: 26,988
افتراضي خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بعنوان :المنهَجُ النبويُّ في تصحِيحِ المفاهِيم

خُطَبّ الحرمين الشريفين
خطبتى الجمعة من المسجد الحرام
مع الشكر للموقع الرسمى للحرمين الشريفين


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ألقى فضيلة الشيخ فيصل بن جميل غزاوي - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان:
المنهَجُ النبويُّ في تصحِيحِ المفاهِيم ،

والتي تحدَّث فيها عن وجوبِ تصحيحِ التصوُّرات والمفاهِيمِ، وتخلِيصها
من رواسِبِ الاعتِقادات الجاهليَّة؛ لأنَّ هذا هو الذي جاء به الشرعُ الحنيف،
وذكَرَ العديدَ مِن الأمثِلة والنماذِج مِن سُنَّة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
والتي جاءَ فيها قولُه - عليه الصلاة والسلام - مُصحِّحًا لمفاهِيم
مغلُوطة عند الصحابةِ - رضي الله عنهم -.

الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله مِن شُرور أنفسِنا
ومِن سيئات أعمالِنا، مَن يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له،
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه
، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتَّقُوا اللهَ - عباد الله - حقَّ التقوَى، وتمسَّكُوا مِن الإسلام
بالعُروة الوُثقَى، وراقِبُوه في السرِّ والنَّجوَى.
أيها المُسلمون:
مِن الأمور المُهمَّة التي جاء بها الشرعُ القويمُ: تصحيحَ التصوُّرات والمفاهِيم،
وتخلِيصَها مِن رواسبِ الاعتِقادات الجاهليَّة البائِدة، والأباطِيل السائِدة،
وتصويبَها لتُصبِحَ مُتوافِقةً مع الدين المُبِين، ومُلائِمةً لهَديِ المُؤمنين.
وعند النَّظر والتأمُّل في نُصوص الوحيَين، نجِدُهما حافِلَين بتناوُل هذه
القضيَّة في مجالاتٍ شتَّى، وصُورٍ مُختلِفة.
فتعالَوا - عباد الله - نقِفُ مع جُملةٍ مِن الأمثِلةِ الشاهِدة لذلك، والدالَّة
على تميُّز منهَجِ دينِ الإسلام في بيانِ حقائِقِ الأشياء:
ففي قولِه تعالى:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
[الحجرات: 13]
بيانٌ لِما كان عليه الناسُ في الجاهِليَّة مِن التفاخُرِ بالأنسابِ ومآثِرِ
الآباء والأجداد، فجاء الشرعُ بالمفهُوم الصحيحِ للكرامةِ؛ فالتفاضُلُ
إنَّما يحصُلُ بالتقوَى:
( لا فَضلَ لعربيٍّ على عجَمِيٍّ إلا بالتقوَى ).
فكلَّما كان الإنسانُ مُحقِّقًا للتقوَى، كان ذلك كمالًا في حقِّه، وهو الكريمُ حقًّا.
وفي بياٍ نبويٍّ صريحٍ يُقرِّرُ - صلى الله عليه وسلم - هذه الحقيقةَ بقولِه:
( الحَسَبُ المال، والكَرَمُ التقوَى ).
أي: الشرَفُ بين الناسِ المال، والكرَمُ عند الله هو التقوَى، فانظُرُوا
الفرقَ بين المفهُوم عند أهلِ الدنيا وحقيقتِه عند الله.
وأهلُ التقوَى والإيمان والصلاح هم أولياءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
سواءً كانُوا مِن ذِي رحِمِه أم لا.
قال - صلى الله عليه وسلم -:
( إنَّ أَولَى الناسِ بِي المُتَّقُون، مَن كانُوا، وحيثُ كانُوا ).
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
( ألا إنَّ آل بنِي فُلانٍ ليسُوا لِي بأولياء، إنَّما ولِيِّي اللهُ وصالِحُ المُؤمنين ).
والمعنى: إنَّما ولِيِّي مَن كان صالِحًا وإن بعُدَ نسَبُه مِنِّي، وليس ولِيِّي مَن
كان غيرَ صالِحٍ وإن كان نسَبُه قريبًا مِنِّي.
عباد الله:
ويُبنَى على المفهوم الحقيقيِّ للكرامة مفهومٌ آخر؛ إذ يقولُ - عليه الصلاة والسلام -:
( إنَّ الله لا ينظُرُ إلى صُوركم وأموالِكم، ولكن ينظُرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم ).
وفي لفظٍ آخر:
( ولا إلى أجسامِكم ).
فليس بين الله وبين خلقِه صِلَةٌ إلا بالتقوَى؛ فمَن كان لله أتقَى كان
مِن الله أقرَب، وكان عند الله أكرَم.
وعليه فلا يصِحُّ أن يفتَخِرَ المرءُ بمالِه، ولا بمكانتِه، ولا بجمالِه،
ولا بشيءٍ مِن أعراضِ الدنيا أبدًا، فمحلُّ الاعتِبار القلبُ والعملُ.
ومما يشهَدُ لهذا المعنَى كذلك: قولُه - صلى الله عليه وسلم -:
( إنَّه ليأتِي الرجُلُ العظيمُ السَّمِينُ يوم القِيامة لا يزِنُ عند الله جَناحَ بعُوضة )،
وقال:
( اقرأُوا:
{ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا }
[الكهف: 105] ).
فالأساسُ الذي يُعوَّلُ عليه هو تقوَى الله، والاستِقامةُ على شرعِه.
وقد حرصَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ترسيخِ مفهُوم التفاضُل
بين الناسِ، وأنَّه ليس بصُورهم ولا بأجسادِهم، وأكَّد هذه الحقيقةَ
الإيمانيَّة مِن خلال مشاهِد حيَّة ماثِلةٍ أمام أصحابِه الكرام:
فمِن ذلك: ما جاء عن عبد الله بن مسعُودٍ - رضي الله عنه -، أنَّه كان
يحتَزُّ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سِواكًا مِن الأراكِ، فكانت
الرِّيحُ تكفَؤُه، وكان في سَاقَيه دِقَّة، فضحِكَ القومُ مِن دِقَّة ساقَيه،
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
( ما يُضحِكُكم؟ )،
قالُوا: مِن دِقَّة ساقَيْه، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
( والذي نفسِي بيدِه؛ لهُما أثقَلُ في الميزانِ مِن أُحُد ).
ومِنها: ما رواه سهلُ بن سعدٍ الساعديُّ - رضي الله عنه -، أنَّه قال:
مرَّ رجُلٌ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -،
فقال لرجُلٍ عنده جالِسٌ: ( ما رأيُك في هذا؟ )
فقال رجُلٌ مِن أشرافِ الناسِ، حرِيٌّ إن خطَبَ أن يُنكَح، وإن شفَعَ أن يُشفَّع.
قال: فسكَتَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -،
ثم مرَّ رجُلٌ فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
( ما رأيُك في هذا؟ )،
فقال: يا رسولَ الله! هذا رجُلٌ مِن فُقراء المُسلمين، هذا حرِيٌّ إن خطَبَ
ألا يُنكَح، وإن شفَعَ ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُسمَع لقولِه،
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
( هذا خَيرٌ مِن مِلءِ الأرض مثل هذا ).
ويلحَقُ بهذا المعنى - عباد الله -:
أن بسطَ الرِّزق وتضييقَه لا علاقةَ له بمحبَّة الله ولا ببُغضِه، وليس دليلًا
على استِحقاق العبدِ لذلك، قال تعالى:
{ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنّ
َ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }
[سبأ: 35، 36].
فأهلُ الاستِكبار على الله يقولُون: نحن أكثرُ أموالًا وأولادًا وما نحن
في الآخرة بمُعذَّبِين؛ لأنَّ الله لو لم يكُن راضِيًا ما نحن عليه مِن المِلَّة
والعملِ لم يُعطِنا الأموالَ والأولادَ، ولم يبسُط لنا في الرِّزق، ولم
يُؤثِرنا بما آثَرَنا على غيرِنا إلا لفضلِنا.
وغابَت عنهم الحقيقةُ:
أنَّ الله يبسُطُ الرِّزقَ لمَن يشاءُ مِن خلقِه، ويُضيِّقُ على مَن يشاء، لا
لمحبَّةٍ فيما يبسُطُ له ذلك، ولا زُلفةٍ له استحقَّها مِنه، ولا لبُغضٍ مِنه لمَن
ضيَّقَ عليه ذلك ولا مقت، ولكنَّه يفعلُ ذلك مِحنةً لعبادِه وابتِلاءً، وأكثرُ
الناسِ لا يعلَمُون أنَّ الله يفعلُ ذلك اختِبارًا لعِبادِه.
فلو كان البسطُ دليلَ الإكرام والرِّضا لاختصَّ به المُطِيع، وكذا لو كان
التضيِيقُ دليلَ الإهانة والسَّخَط لاختصَّ به العاصِي،
بل قد يُعطِي اللهُ العبدَ مِن الدنيا استِدراجًا له وإملاءً.
فقد صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:
( إذا رأيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ مِن الدنيا على معاصِيه ما يُحبُّ،
فإنَّما هو استِدراجٌ )،
ثم تلا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا
فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }
[الأنعام: 44].
أيها المُسلمون:
ومِن أساليبِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تعليمِ أصحابِه،
وتربيتهم على الفضائِل، وتصحيحِ المفاهِيم لدَيهم: السُّؤال.
فعن أبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
( يا أبا ذَرٍّ! أتَرَى كثرةَ المال هو الغِنَى؟ )
، قُلتُ: نعم يا رسولَ الله، قال:
( فتَرَى قِلَّةَ المال هو الفقرُ؟ )،
قُلتُ: نعم يا رسولَ الله، قال:
( إنَّما الغِنَى غِنَى القلب، والفقرُ فقرُ القلب ).
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
( ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ ).
العَرَض هو متاعُ الدنيا، وحقيقةُ الغِنَى غِنَى النَّفس، وهو مَن استغنَ
بما أُوتِي، وقنِعَ به ورضِي، ولم يحرِص على الازدِياد، ولا ألَحَّ في
الطلَب، فكأنَّه غنيٌّ.
ومما يتَّصِلُ بهذا المعنى: أنَّ الإفلاسَ الحقيقيَّ المُهلِك هو أن يلقَى العبدُ
ربَّه يوم القِيامة مُفلِسًا مِن الحسنات، ليس عنده مِنها شيءٌ.
يُبيِّنُ لنا هذه الحقيقةَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ يقولُ لأصحابِه:
( أتَدرُون مَن المُفلِسُ؟ )،
قالُوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا متاع، فقال:
( إنَّ المُفلِسَ مِن أمَّتِي مَن يأتِي يوم القِيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ،
ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا،
وضرَبَ هذا، فيُعطَى هذا مِن حسناتِه، وهذا مِن حسناتِه، فإن فنِيَت
حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذَ مِن خطاياهم فطُرِحَت عليه،
ثم طُرِحَ في النَّار ).
معاشِر المُسلمين:
لقد أرشدَت جُملةٌ مِن الآيات والأحاديث إلى حقيقةٍ جوهريَّةٍ تتعلَّقُ
بالمالِ مِن حيث البقاء والفناء، قال تعالى:
{ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ }
[النحل: 96].
الشيءُ الذي يُقدِّمُه المرءُ ويُنفِقُه في سبيلِ الله تعالى وابتِغاءَ مرضاتِه
هو الذي يبقَى، أما ما عداه؛ مِن مطعَمٍ، أو مشرَبٍ، أو ملبَسٍ، ونحو ذلك
مِن شُؤون الدنيا فإنَّه يفنَى.
فقد صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:
( أيُّكُم مالُ وارِثِه أحبُّ إليه مِن مالِه؟، قالُوا: يا رسولَ الله! ما مِنَّا أحدٌ
إلا مالُه أحبُّ إليه،)
قال - صلى الله عليه وسلم -:
( فإنَّ مالَه ما قدَّم، ومالَ وارِثِه ما أخَّر ).
وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أيضًا أنَّه قال:
( يقولُ ابنُ آدم: مالِي مالِي، وهل لك يا ابنَ آدم مِن مالِك إلا ما أكَلتَ
فأفنَيتَ، أو لبِستَ فأبلَيتَ، أو تصدَّقتَ فأمضَيتَ؟ ).
أي: لك إلا لُقمةٌ تُؤكَل، أو ثِيابٌ تَبلَلا، أو صدقةٌ تبقَى.
إنَّ اعتِقادَ المُسلم بهذه الحقيقة، ويقينَه بأنَّ ما يُخرِجُه مِن مالِه في أوجُهِ
البِرِّ وسدِّ حاجةِ الفقير ابتِغاءَ مرضاتِ الله هو المالُ الباقِي على وجهِ
الحقيقة، فهذا سيدفَعُه - بلا شكٍّ - إلى البذل والعطاء والإنفاق،
والبُعد عن البُخل والشُّحِّ والإمساك.
وعن عائشة - رضي الله عنها -، أنَّهم ذبَحُوا شاةً فقال النبيُّ –
صلى الله عليه وسلم -:
( ما بقِيَ مِنها؟ )،
قالت: ما بقِيَ مِنها إلا كتِفُها، فقال - صلى الله عليه وسلم –
مُصحِّحًا ومُوجِّهًا:
( بقِيَ كلُّها غيرَ كتِفِها ).
والمعنى: أنَّ ما تُصدِّقَ به فهو الباقِي، وما أُكِلَ فهو الفانِي.
فهنا يأتِي التصحيحُ النبويُّ للمفهُوم الخاطِئ السائِد الذي يعتبِرُ ما بقِي
َ مِن المال هو الذي لم يتمَّ إنفاقُه، وبقِيَ في حَوظَة صاحبِه، في الوقتِ
الذي يظنُّ فيه أنَّ المالَ الذي تُصدِّقَ به واستقرَّ في يدِ المُحتاج هو مالٌ
ذاهِبٌ وفانٍ ومفقُودٌ.
وهذا الحديثُ جاء مُوافِقًا لمدلُول الآية السابِقة:
{ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ }
[النحل: 96]،
ويُعدُّ أنموذجًا عمليًّا وتطبيقًا واقعيًّا لمعناه، بل قد جعلَ الله تعالى عدمَ
الإنفاقِ في سبيلِه مِن التَّهلُكة، فقال - عزَّ وجل -:
{ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ }
[البقرة: 195].
قال القُرطبيُّ - رحمه الله -:
المعنى: لا تُلقُوا بأيدِيكم بأن تترُكوا النَّفقةَ في سبيلِ الله، وتخافُوا العَيْلَة،
فيقولُ الرَّجُلُ: ليس عندي ما أُنفِقُه .
ومِن المعاني التي ذكَرَها بعضُ العُلماء في معنى الآية:
لا تُمسِكُوا أموالَكم، فيَرِثها مِنكم غيرُكم، فتهلَكُوا بحِرمانِ منفَعة أموالِكم .
ومما يتبَعُ هذا المعنَى كذلك: تعقِيبُه - صلى الله عليه وسلم –
عندما سألأَ أصحابَه:
( ما تعُدُّون الرَّقُوبَ فيكُم؟ )،
قالُوا: الذي لا يُولَدُ له، قال:
( ليس ذاك بالرَّقُوب، ولكنَّه الرَّجُلُ الذي لم يُقدِّم مِن ولَدِه شيئًا ).
فالمفهُومُ الذي تناوَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالتصحيحِ هنا هو
معنَى الرَّقُوب؛ إذ كان السائِدُ بين الناسِ عُمومًا أنَّ الرَّقُوبَ فيهم مَن ابتُلِيَ
بمَوت الذريَّة، فلا يكادُ يعيشُ له ولَدٌ، أو هي المرأةُ التي لا يبقَى لها ولَدٌ.
فعمَدَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى تغيير ذلك التصوُّر،
وأوقفَ أصحابَه على حقيقةِ الرَّقُوب، مُؤكِّدًا أنَّه ذلك الذي لم يكُن له نصيبٌ
مِن الأجر الكبير، والثوابِ العظيم الذي يحظَى به الصابِرُ المُحتسِبُ الأجرَ في موتِ أحدِ
أولادِه، وفُقدانِ فِلذَة كبِدِه.
إخوة الإسلام:
ومِن المفاهيم التي جاء الشارِعُ بتصحيحِها: مفهُومُ الشدَّة والقوَّة.
قال - صلى الله عليه وسلم -:
( ليس الشَّديدُ بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديدُ الذي يملِكُ نفسَه عند الغضَبِ ).
يعنِي: ليس الإنسان الشديدُ هو الذي يصرَعُ الناسَ، وإنَّما الشديدُ حقيقةً
والمفهوم الصحيح للقوَّة هو مَن يملِكُ نفسَه عند الغضَبِ؛ فقد يكون
الإنسانُ قويًّا يغلِبُ الرِّجال، لكنَّه إذا غضِبَ خرَجَ عن طَورِه وفقَدَ
سيطرتَه على نفسَه، وظلَمَ ووقَعَ في الأفعالِ المُحرَّمة.
عباد الله:
ومِن الخِصال التي شابَ مفهُومَها الخلَلُ عند بعضِ الناسِ: الحياءُ؛
فهو شُعبةٌ مِن شُعبِ الإيمان، ومحمُودٌ على كلِّ حالٍ، كما قال
- صلى الله عليه وسلم -:
( الحياءُ خيرٌ كلُّه ).
بل زجَرَ - صلى الله عليه وسلم - مَن دعَا غيرَه إلى التخفُّفِ مِنه؛
إذ مرَّ على رجُلٍ وهو يُعاتِبُ أخاهُ في الحياء، يقولُ: إنَّك لتَستَحيِي،
حتى كأنَّه يقولُ: قد أضَرَّ بِك، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
( دَعْهُ؛ فإنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ ).
أي: اترُكه على هذا الخُلُق السَّنِيِّ.
وبيَّن - عليه الصلاة والسلام - كيف يُحقِّقُ العبادُ هذا الخُلُق وكيف
يكتسِبُونَه عن طريقِ التزكِية والترقِّي في مراتبِ الإيمانِ والإحسانِ، فقال:
( استَحيُوا مِن الله حقَّ الحيَاء )،
قُلنا: يا رسولَ الله! إنَّا لنَستَحيِي والحمدُ لله، قال:
( ليس ذاك، ولكنَّ الاستِحياءَ مِن الله حقَّ الحياءَ أن تحفَظَ الرأسَ وما
وعَى، وتحفَظَ البطنَ وما حوَى، وتتذكَّرَ المَوتَ والبِلَى، ومَن أرادَ الآخرةَ
ترَكَ زينةَ الدنيا، فمَن فعلَ ذلك فقد استَحيَى مِن الله حقَّ الحياء ).
ويدخُلُ في حِفظِ الرأسِ وما وعَى: حِفظُ السَّمع والبصَر واللِّسان مِن المُحرَّمات،
ويتضمَّنُ حِفظُ البَطن وما حوَى: حِفظَ القلبِ عن الإصرارِ على
ما حرَّم الله، وحِفظَ البَطن مِن إدخالِ الحرامِ إليه مِن المآكلِ والمشارِبِ.
ونُنبِّهُ هنا - عباد الله - إلى مسألة

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



ديزاين فور يو لحلول تقنية المعلومات