http://www.ataaalkhayer.com/images/f1.jpg
http://www.ataaalkhayer.com/images/f2.jpg
http://www.ataaalkhayer.com/images/t1.jpg
http://www.ataaalkhayer.com/images/g1.jpg
بحث في موقع الدرر السنية
 

بحث عن:

ابحث بالموقع
تاريخ اليوم:

الأستاذ هشام عباس محمود الأستاذ نبيل جلهوم بطاقات عطاء الخير
أحاديث اليوم دروس اليوم بطاقات لفلي سمايل
خطب الحرمين الشريفين الدكتور عبدالله بن مراد العطرجى المهندس عبدالدائم الكحيل


مجموعات Google
اشترك فى مجموعة بيت عطاء الخير
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

تسجيل دخول اداري فقط

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-12-2018, 11:41 AM
حور العين حور العين غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: May 2015
المشاركات: 26,416
افتراضي خطبتى الجمعة من المسجد الحرام بعنوان :التحذير من التعصُّب والعصبيَّة

خُطَبّ الحرمين الشريفين
خطبتى الجمعة من المسجد الحرام
مع الشكر للموقع الرسمى للحرمين الشريفين


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ألقى فضيلة الخطيب: الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله –
خطبة الجمعة بعنوان:
التحذير من التعصُّب والعصبيَّة ،

والتي تحدَّث فيها عن التعصُّب واصِفًا إيَّاه بالداءِ العُضال، ومُبيِّنًا مظاهِرَه،
ومُحذِّرًا مِن سُلوكِ سبيلِ التعصُّب والغلُوِّ، كما بيَّن أسبابَ انتِشارِه، ثم
تحدَّثَ عن عِلاجِه ومدَى أثَر ذلك على الفرد والمُجتمع، وحثَّ في خُطبتِه الثانية
على اغتِنامِ الأوقاتِ الفاضِلة القادِمة؛ ففيها الوافِدُ الكريمُ شهرُ رمضان.

الخطبة الأولى
الحمدُ لله، الحمدُ لله حمدَ الشَّاكِر، سبحانه وبحمدِه لا يُحصِرُ نِعمَه حاصِر،
خيرُه فائِض وإنعامُه وافِر، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له
شهادةً أدَّخِرُها ذُخرًا لليوم الآخِر، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ
الله ورسولُه خيرُ حامِدٍ وأفضلُ ذاكِر، صلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهِرين،
وأصحابِه الغُرِّ الميامِين كلُّهم لدينِ الله ناصِر، والتابِعين
ومَن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا الكثيرَ المُتكاثِر.
أما بعدُ:
فأُوصِيكم - أيها الناس - ونفسِي بتقوَى الله، فاتَّقُوا الله - رحِمَكم الله -.
ولا تكُونُوا مِن المُتكلِّفِين؛ فمِن التكلُّفِ - حفِظَكم الله -: التكلُّمُ بغيرِ علمٍ،
ومُنازعةُ المرء مَن فوقَه، والتطلُّع إلى ما لا يُنال، والدُّخُول فيما لا يعنِي،
ومَن دخَلَ فيما لا يَعنِي لقِيَ ما لا يُرضِي. ومِن علامةِ إعراضِ الله عن
العبدِ: أن يُشغِلَه فيما لا يَعنِيه.
واختِلافُ المُسلم مع صاحِبِه لا يُبِيحُ عِرضَه، ولا يُحِلُّ غِيبَتَه، ولا يُجِيزُ قَطِيعتَه.
وقد قالَت العُقلاء:
إنَّ الآراءَ للعَرضِ لا للفَرضِ، ووِجهاتِ النَّظَر للإعلامِ لا للإلزامِ .
وفرَّقَ الحُكماءُ بين أدبِ الخِلافِ وخِلافِ الأدب، فالسعيدُ - يا عبدَ الله –
مَن كان غنيًّا بقَناعَتِه، كبيرًا بتواضُعِه، عظيمًا بحُسن أخلاقِه،
{ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ }
[ص: 86].
معاشِرَ المُسلمين:
داءٌ عُضالٌ، وخطرٌ داهِمٌ يقضِي على معانِي الإنسانيَّة. داءٌ يُصيبُ الفردَ
والأمةَ والمُجتمعَ حينما يستَفحِلُ ويتفشَّى، فإنَّه يفتِكُ في الناسِ فَتكًا.
داءٌ إذا ذَرَّ قَرنُه فإنَّه لا يُفرِّقُ بين مُتعلِّمٍ وغير مُتعلِّم، ومُتحضِّرٍ
وغير مُتحضِّر، ومُتديِّنٍ وغير مُتديِّن. هو أحدُ مصادِرِ الغُرُور، ومنابِع
الظُّلم، وأسبابِ الكراهِية، وطُرُق الفساد والإفساد.
ذلكُم - يا عباد الله - هو التعصُّبُ والعصبيَّة، وكلُّ ذلك دعوَى الجاهليَّة
وحمِيَّةُ الجاهليَّة.
التعصُّبُ غلُوٌّ وتطرُّفٌ، وكراهيةٌ، وفُرقةٌ، وضلالٌ، وشَحناء.
انقِيادٌ عاطفيٌّ مَقِيتٌ لتصوُّراتٍ ومفاهِيم ومسالِك تتعارَضُ مع الحقِّ
والعَدلِ والموضُوعيَّة.
التعصُّبُ حماسٌ أعمَى، ومشاعِرُ جارِفة، وأحكامٌ مُسبَقَة، واستِهانةٌ بالآخَرين.
التعصُّبُ خضُوعٌ مُطلَقٌ، وسَيرٌ مِن غير بصِيرةٍ مع الجماعة، أو الفِئة،
أو الحِزبِ، أو القَبِيلَة، أو الطائِفَة، أو العِرْق.
التعصُّبُ غلُوٌّ في التعلُّق بالأشخَاصِ، والتمسُّك بالأفكار، والإصرار
على المبادِئ. لا يدَعُ مكانًا للتسامُح، ولا مجالًا للتفاهُم، ولا فُرصةً
للقَبُول.
التعصُّبُ ينطلِقُ مِن تصوُّراتٍ مُسبَقَة في تصرِيفِ الناسِ والمُجتمعَات
إلى فِئاتٍ دينيَّة، وعِرقيَّة، ومذهَبيَّة، وقَبَليَّة، وسياسيَّة،
وفِكريَّة، ومناطِقيَّة، ورياضيَّة، وغيرِها.
معاشِرَ المُسلمين:
حقيقةُ التعصُّب هو:
عدمُ قَبُول الحقِّ ممَّن جاءَ به، مع ظهور دليلِه؛ بسببِ ما في النَّفسِ
مِن أغراضٍ وأهواءٍ وانحِيازٍ.
التعصُّبُ دِفاعٌ بالباطِل حينما يرَى المُتعصِّبُ أنه هو الذي على الحقِّ دائِمًا
بلا حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ، وغيرُه هو المُخطِئُ دائِمًا، وهو الذي على الباطِلِ
دائِمًا ولو كان معه الحُجَّةُ والبُرهانُ.
والعِنادُ والانغِلاقُ والتحجُّرُ وعدمُ التوافُق ورفضُ التعايُش كلُّها
أنواعٌ مِن التعصُّب، وكلُّها تمُدُّ صاحِبَها بأسبابِ الكراهية والشَّحناء،
وتُفوِّتُ فُرصَ الاجتِماع والتآلُف، وحلِّ المُشكِلات، والبناءِ، والتعاوُن. والتعصُّبُ لا
يجتمِعُ مع التسامُح، والانفِتاح، وقَبُول الآخر.
معاشِرَ الأحِبَّة:
التعصُّبُ والعصبيَّة داءٌ فتَّاكٌ يقُودُ إلى اللَّجاجَة والتقليدِ الأعمَى، ويُولِّدُ
حجابًا غليظًا يصُدُّ عن قَبُول الحقِّ، وقَبُول الجديدِ المُفِيد، ويجعلُ
القَبِيحَ حسنًا، ويقلِبُ الحسَنَ قَبِيحًا.
وقد قال بعضُ الحُكماء:
التعصُّبُ عدُوٌّ مُستَتِر لم يُدرِك كثيرٌ مِن الناسِ خُطورتَه الماحِقة،
وآثارَه المُدمِّرة .
العصبيَّة نَعرةٌ مُهلِكة تنمُو في النفسِ البشريَّة في البِيئة التي تحتَضِنُها،
يتربَّى عليها الصغيرُ، ويهرَمُ فيها الكبيرُ، رِجالًا ونِساءً، تُمزِّقُ العلاقات
الاجتماعية، وتسلُبُ رُوحَ الوحدة والأُلفة، وتنشُرُ بُذُورَ النِّفاق والفُرقة،
وتُبدِّدُ الطاقاتِ، وتُضعِفُ القُوَى، وتهدِمُ البِناءَ.
وهل رأيتَ أعظمَ مِن مُتعصِّبٍ يرَى شِرارَ قَومِه خيرًا مِن خيارِ الآخرين؟!
التعصُّبُ يُورِثُ التمييزَ والانحِيازَ والتصنيفَ، ويبنِي حِجابًا كثيفًا على العقلِ
والبصَرِ، ويمنَعُ مِن إدراكِ الحقِّ وابتِغائِه، والتمييز بين المصلَحةِ والمفسَدةِ.
معاشِرَ المُسلمين:
وللتعصُّبِ مظاهِر، منها: احتِقارُ الآخرين وتنقُّصهم،
وعدمُ الاعتِراف بأحقِّيَّتِهم وحقُوقِهم.
ومِن أظهَر مظاهِر التعصُّب: تقديمُ الولاءات على الكفاءات، وقد يظهرُ
التعصُّبُ في سُوء القول والتعبير، وقد يترقَّى إلى تجنُّبِ التعامُل مع مَن
يتعصَّبُ ضدَّه، ثم يترقَّى هذا المُتعصِّبُ إلى أن يمنعَ جماعتَه وفِئتَه مِن
التعامُل مع هذا المُخالِف، وقد يترقَّى إلى الاعتِداءِ عليه، وقد يصِلُ إلى
قتلِه والتخلُّصِ مِنه - عياذًا بالله -.
عباد الله:
وكَم أثارَت النَّعرات العصبيَّة مِن حزازاتٍ سِياسيَّة بِشعاراتٍ عقائديَّة،
وتترَّسَت بنِداءاتٍ دينيَّة، فأنبَتَت فُرقةً وتحزُّبًا وتشرذُمًا.
وكَم أدَّى التعصُّبُ في درجاتٍ مُتشدِّدة إلى التمييز والتصنِيف والعُدوان
والقَتل؟! وقد يصِلُ إلى الإبادةِ الجماعيَّة - عياذًا بالله -، كما يُؤدِّي
إلى التشريدِ والتهجِيرِ والنَّفيِ.
التعصُّبُ يقُودُ إلى التشويهِ، وإساءةِ التفسيرِ، وتجاهُل الحقائِقِ والوقائِع.
أيها الإخوة:
إن إضرارَ التعصُّب وخسائِرَه ومساوئَه قد سوَّدَت صحائِفَ التاريخ،
وكَم واجَهَ الأنبياءُ - عليهم السلام - والمُصلِحُون مِن عوائِقَ في
طريقِ هدايةِ الناسِ وإصلاحِ البشريَّة، وقائِدُ ذلك ورائِدُه التعصُّبُ.
وقد قال إمامُهم ورائِدُهم إلى النار:
{ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }
[غافر: 29].
بسببِ التعصُّبِ سُفِكَت الدماء، وضاعَت الحُقوق، وفشَا الظُّلم.
في التعصُّب هَدرٌ لطاقاتِ الأمة عجِيب، بل هو مِن أعظم مُعوِّقات التنمية،
فإذا دخَلَت العصبيَّةُ خُططَ التنمية، فقُل على أهلِها السلام، وسواءٌ في
ذلك الاقتصاديَّة، أو السياسيَّة، أو التعليميةَّ، أو الإداريَّة، أو الثقافيَّة،
أو الدينيَّة، أو غيرِها.
معاشِر الأحِبَّة:
وقد يسلُكُ بعضُ الناسِ مسلَكَ التعصُّب لإشباعِ غُرورِه، ولسَتر نقصٍ
في نفسِه أو خِبراتِه أو قُدراته، أو تسويقِ فشَلِه، وقد يُوظِّفُه ليجعَلَ له
مكانةً أو مركزًا في الدين، أو السياسة، أو الثقافة، سواءٌ أكان ذلك في كتابات،
أو مُؤلَّفات، أو تكوين أحزابٍ وجماعاتٍ وطوائِف ومُؤسَّسات
تقُومُ على الأساسِ العِرقيِّ، أو المذهبيِّ، أو المناطقيِّ، أو القَبَليِّ، أو
الانتِماءِ الفِكريِّ.
أيها المُسلمون:
إن تشخِيصَ الداءِ والكشفَ عن المرضِ هو السبيلُ الأقوَمُ، والطريقُ
الأنجَعُ للعلاج، ومُحاصَرة آثار المرضِ السلبيَّة في المُجتمع وفي الحياةِ.
ومِن أجلِ هذا - عباد الله -، فلا بُدَّ مِن النظَرِ في أسبابِ ظُهور التعصُّبِ
ومُثِيراتِ العصبيَّة، يأتِي في مُقدِّمةِ هذه الأسبابِ - حفِظَكم الله -:
التربيةُ والنشأةُ الاجتِماعيَّة، فمَن نشأَ في بيئةٍ تُغذِّي العصبيَّة، فإنها
تُنتِجُ مُتعصِّبِين، مما ينتُجُ عنه الظُّلمُ والتطاوُلُ، والفُجُورُ في الخُصومة،
والإقصاءُ، فالإنسانُ لا يُولَدُ مُتعصِّبًا، ولكنَّه يأخُذُ ذلك بالتقليدِ والتلقِّي والتربيةِ.
ومِن ذلك - مِن أسبابِ ظُهور التعصُّبِ -:
غِيابُ القِيَم والأخلاق؛ مِن العدل، والإنصافِ، والتجرُّد، والمُساواة، مما
يُولِّدُ العُدوانيَّة، والكراهية، والانكِفاءَ إلى الفِئات، والانحِياز إلى الجماعاتِ.
ومِن ذلك: الغلُوّ في الأشخاصٍ مِن العُلماء والمشايِخ والكُبراء ورُؤساء المُجتمع.
ومِن أعظمِ الأسبابِ وأكبَرِها: إثارةُ الخِلافات المذهبيَّة، والنَّعرات القَبَليَّة،
والتمايُزات المناطقيَّة والإقليميَّة، ومِن ثَمَّ تُثارُ معها مشاعِرُ الأحقادِ والكراهية،
وبخاصَّةٍ حينما يجتَرُّون أحداثًا تأريخيَّةً سالِفة عفَا عليها
الزمن، لم تكُن في وقتِها مما يُحمَد أو يُشرِّف، فكيف وقد دفَنَها الزمن،
ويُريدُ هؤلاء غيرُ الحُكماء أو المُغرِضُون المُفسِدُون، يُريدُون إحياءَها
وإثارتَها، بل يُريدُون إسقاطَ الحاضِر على ذلك الماضِي غيرِ المجِيد ولا الشَّرِيفِ.
وهذا المسلَكُ المُنحرِفُ يستنزِفُ القُوَى، ويهدِرُ الطاقات، ويُفرِّقُ الأمة،
ويُشتِّتُ الأهدافَ، ولا يُنتِجُ إلا عصبيَّةً مقيتةً، وتوجُّهاتٍ مُتطرِّفة،
ومسالِكَ مُوغِلة في الغلُوِّ، فيحرِمُون المُجتمعَ مِن أن يجتمِعَ على
مودَّةٍ ورحمةٍ وأُخُوَّة.
ومِن هنا تذهَبُ رِيحُ الأمة، وتُستباحُ بيضَتُها، وتُفتَحُ الأبوابُ مُشرعَةً
للأعداءِ يدخُلُون عليها مِن كل بابٍ، طعنًا في الدين، وغَمطًا للمكانة،
ونَهبًا للخيرات، وتقطِيعًا للأوصال.
ومما يلفِتُ النظَر - مع الأسَفِ -:
أن بعضَ القنَوات الفضائيَّة، وأدواتِ التواصُل الاجتِماعيِّ تتبنَّى مثلَ
هذا بقصدٍ أو بغير قصدٍ، في طُروحاتٍ وتغريداتٍ، ومِن خلالِها تثُورُ
الخِلافاتُ المذهبيَّة، والعصبيَّة القَبَليَّة، والتمايُزات المناطقيَّة والطائفيَّة،
والفتَن الحِزبيَّة، وهؤلاء جميعًا - مع الأسَفِ - لا ينقُصُهم إرثٌ تأريخيٌّ
يُؤجِّجُ مثلَ هذا، بل إنَّ الإعلامَ المشبُوهَ هذه هي بِضاعتُه، وهؤلاء
هم جُنودُه.
معاشِر الإخوة:
أعظمُ وسائلِ العلِاج: تربيةُ الأجيَال في مناهِج التربيةِ على التسامُح،
وحِفظِ حقوقِ جميعِ الناس واحتِرامِهم.
ومِن أهم وسائلِ العِلاج: سَنُّ الأنظِمة التي تحُولُ دُون التعصُّب،
ووضعُ سِياساتٍ واضِحةً لمُحاربة مُختلَف أشكال التمييز والتصنِيف، وتحقيقِ
العدل وحِفظِ الحُقوق، مع التنبيهِ لعِظَم دَور الأُسرة والمدرسَة
والمسجِد والإعلام بكل أدواتِه، ووضعِ الخُطَط في ذلك.
ومِن أكبَرِ وسائلِ العِلاج: تحرِّي الحقِّ، والتسليمُ له، والسعيُ إليه،
وقَبُولُه ممَّن جاءَ به.
وبعدُ .. حفِظَكم الله:
فمتَى كان اختِلافُ البشَرِ في ألوانِها يُعطِيها فضلًا على بعضٍ؟! ومتَى
كان المِيلادُ فوقَ أرضٍ يجعلُ أرضًا أرقَى مِن أرض؟! وهل يكونُ جَنينٌ
في بَطنٍ مُعيَّنٍ يَخلُقُ نسَبًا أشرَفَ مِن نسَب؟!
وقد قال نبيُّنا مُحمدٌ - صلى الله عليه وسلم -:
( مَن أبطَأَ به عملُه لم يُسرِع به نسَبُه ).
ويقولُ - عليه الصلاة والسلام - لأهلِ بيتِه:
( لا يأتِينِي الناسُ بأعمالِهم، وتأتُون بأنسابِكم )؛
متفق عليه.
ويقولُ لابنتِه فاطمة - وهي بَضعَةٌ مِنه، وسيِّدةُ نساءِ العالَمين –
رضي الله عنها وأرضاها -، يقولُ:
( يا فاطمَةُ بنتُ مُحمد! لا أُغنِي عنكِ مِن اللهِ شيئًا )؛
متفق عليه.
وقد قال اللهُ لنُوحٍ - عليه السلام - في ابنِه:
{ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ }
[هود: 46].
فالعصبيَّةُ - عباد الله - ما هي إلى غلَبَةُ أوهامٍ، يستكثِرُ بها الصِّغارُ
أمجادًا موهُومة، إنها أمجَادٌ لا تُكلِّفُ ثمنًا، ولا تستغرِقُ جُهدًا، ولا تُنتِجُ
ثمَرًا، فالإنسانُ مسؤولٌ بنفسِه عن نفسِه يُقدِّمُه ما اكتَسَبَ مِن خيرٍ،
ويُؤخِّرُه ما اكتَسَبَ مِن شرٍّ، ويرفعُه لِباسُ التقوَى ذلك خيرٌ.
وفي الحديثِ عنه - صلى الله عليه وسلم -:
( ليس مِنَّا مَن دعَا إلى عصبيَّة، وليس مِنَّا مَن قاتَلَ على عصبيَّة،
وليس مِنَّا مَن ماتَ على عصبيَّة )؛

رواه أبو داود.
وفي الحديثِ الآخر:
( مَن قُتِلَ تحتَ رايةٍ عُمِّيَّة يدعُو إلى عصبيَّة، أو ينصُرُ عصبيَّة،
فقِتلةٌ جاهليَّةٌ )؛

رواه مسلم.
أعوذُ بالله مِن الشيطان الرجيم:
{ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)
أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى }

[النجم: 36- 42].
نفَعَني اللهُ وإياكم بالقرآن العظيم، وبِهَديِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -،
وأقولُ قَولِي هذا، وأستغفِرُ اللهعَ لي ولكم ولسائرِ المُسلمين مِن كل
ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله، وقد تأذَّن بالزيادةِ لمَن شكَر، وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحده
لا شريكَ له شهادةً تُبلِّغُ صاحِبَها مقعَدَ صِدقٍ عندَ ملِيكٍ مُقتَدَر، وأشهدُ أن
سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المُؤيَّد بالآياتِ والسُّوَر،
صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِه عزَّ بهم الدينُ وانتصَر،
والتابِعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم المحشَر.
أما بعد .. فيا أيها المُسلمون:
ليس مِن العصبيَّة أن يُحبَّ الرجُلُ قَومَه ووطنَه، فالتعصُّبُ غيرُ الانتِساب لقَبيلةٍ،
وغيرُ الانتِماءِ للمذهَب، وغيرُ حُبِّ الوطَن، فهذه سُنَّةُ الله في خَلقِه؛
إذ جعلَهم شُعوبًا وقبائِلَ ليتعارَفُوا، وحبَّبَ إليهم أوطانَهم وديارَهم،
{ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا }
[البقرة: 246].
ولكن العصبيَّة التعصُّبُ للباطِل، وغَمطُ الحقِّ، والانحِرافُ عن العَدل،
والإقرارُ على الظُّلم، والإعانةُ عليه، والمُفاخَرةُ به مِن أجلِ القَبِيلةِ،
أو المذهَبِ، أو الفِكرِ، أو المبدَأ، أو التُّراب.
فما نُقِلَت الخُرافات والعادات السيئة، والتالِيد المذمُومة إلا بسببِ العصبيَّة،
والتعلُّق المذمُوم بالآباء والأجدادِ، وكلما تلاشَت العصبيَّة مِن الفرد
والجماعة تعامَلَ الناسُ بحكمةٍ وعقلٍ، وعدلٍ وهدوءٍ، ورحمةٍ وديانةٍ صحيحةٍ.
وبنَبذِ العصبيَّة سوفَ يزُولُ كثيرٌ مِن أسبابِ الخِلافِ والنِّزاع، ويعيشُ
المُجتمع بطُمأنينةٍ ومحبَّةٍ وأُخُوَّة، والمُجتمعات تنهَضُ على دعائِم الخير
والصلاحِ والتقوَى، لا على مزاعِمِ الانتِفاخِ الأجوَف، والعصبيَّة العَميَاء.
ألا فاتَّقُوا اللهَ - رحمكم الله -، واعمَلُوا أن بين أيدِيكم وافِدًا تُضبَطُ به
النوازِع، وتُروَّضُ فيه الغرائِزُ والطبائِع، وتُختبَرُ فيه الإرادة

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



ديزاين فور يو لحلول تقنية المعلومات